يرى توماس جونو، الأستاذ المشارك في جامعة أوتاوا، أن الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لم تُنهِ الصراع بقدر ما أعادت تشكيل معادلات الأمن في الخليج. ويؤكد أن وقف إطلاق النار الهش الذي استمر لشهرين لم ينجح في معالجة الخلافات العميقة بين واشنطن وطهران، بينما كشفت التطورات الأخيرة عن توازن جديد ستسعى إيران إلى ترسيخه خلال المرحلة المقبلة.
ويشير المقال الذي نشره تشاثام هاوس إلى أن المفاوضات الرامية إلى تمديد الهدنة وإعادة فتح مضيق هرمز لم تحقق تقدماً ملموساً حتى الآن، لكن أي اتفاق مستقبلي لن يعيد المنطقة إلى الوضع الذي سبق فبراير 2026. فقد أفرزت الحرب واقعاً جديداً غيّر حسابات الردع والأمن في الخليج العربي.
فشل محور المقاومة وصعود ردع هرمز
أضعفت الحرب ما يُعرف بمحور المقاومة، وهو الشبكة الإقليمية التي دعمتها إيران لسنوات طويلة بهدف ردع خصومها. ورغم أن إسرائيل لم تنجح في القضاء نهائياً على حركتي حماس وحزب الله، فإن قدراتهما تراجعت بصورة واضحة، كما أخفق المحور في أداء مهمته الأساسية المتمثلة في منع الهجمات الأميركية والإسرائيلية على الأراضي الإيرانية.
وأظهرت المواجهات أن التهديد بردود فعل المحور لم يعد كافياً لردع الخصوم، ما دفع طهران إلى إعادة توجيه اهتمامها نحو الخليج العربي ومضيق هرمز تحديداً. فقد أثبتت الحرب عملياً قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة ضغط استراتيجية مؤثرة، بعدما كان هذا الاحتمال يقتصر سابقاً على التقديرات والدراسات العسكرية.
ويتوقع الكاتب أن تحتفظ إيران بهذا الخيار ضمن عقيدتها الأمنية الجديدة، وأن تنظر إلى إغلاق المضيق باعتباره أداة ردع فعالة يمكن اللجوء إليها إذا واجه النظام تهديداً وجودياً مستقبلاً.
إعادة بناء القوة العسكرية الإيرانية
تمنح التجربة الأخيرة أولوية قصوى لإعادة تأهيل البنية العسكرية الإيرانية، ولا سيما برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تعرضت لأضرار كبيرة خلال الحرب. ويرجح الكاتب أن تركز طهران مواردها على استعادة هذه القدرات وتوسيع شبكات الإمداد العالمية المرتبطة بها.
ويعتقد أن هذا التوجه سيتقدم على مشاريع أخرى، مثل إعادة بناء المنشآت النووية أو تطوير القوات البحرية التقليدية، لأن الصواريخ والمسيّرات تمنح إيران قدرة أكبر على تهديد الملاحة الدولية وتعزيز نفوذها الإقليمي.
كما سيبقى احتمال تعطيل حركة التجارة عبر مضيق هرمز عاملاً مؤثراً في حسابات الأسواق العالمية وشركات الشحن والطاقة، ما يمنح طهران مستوى إضافياً من النفوذ السياسي والاقتصادي.
تهديدات الخليج والبحر الأحمر
لا تقتصر معادلة الردع الجديدة على مضيق هرمز وحده، إذ يلفت الكاتب إلى إمكانية انخراط جماعة الحوثيين في أي مواجهة مستقبلية عبر تهديد الملاحة في باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية. وقد أظهرت التجارب السابقة قدرة الجماعة على إرباك حركة التجارة الدولية في البحر الأحمر، الأمر الذي قد يضاعف التأثير الاقتصادي لأي أزمة جديدة.
وفي الوقت نفسه، برزت دول مجلس التعاون الخليجي ضمن حسابات الردع الإيرانية. فالمحللون يدركون منذ سنوات أن طهران قد تستهدف هذه الدول إذا شعرت بأنها تواجه تهديداً مباشراً. وقد عززت الحرب الأخيرة هذا التصور، بعدما رسخت سابقة تمنح إيران أدوات ضغط إضافية على جيرانها الخليجيين.
ويرى الكاتب أن هذا الواقع يفرض على الولايات المتحدة وحلفائها التكيف مع البيئة الأمنية الجديدة عبر تنويع مسارات الطاقة وسلاسل الإمداد، وتعزيز الدفاعات الجوية الخليجية، ومواصلة الحد من قدرات إيران الصاروخية والمسيرة. كما يدعو إلى توجيه رسائل واضحة لطهران والحوثيين بأن أي محاولة جديدة لتعطيل الملاحة في هرمز أو باب المندب ستواجه رداً سريعاً.
ويخلص المقال إلى أن إيران خرجت من الحرب مثقلة بالخسائر الاقتصادية والعسكرية، لكنها اكتسبت في المقابل أدوات ردع جديدة تعتمد على تهديد الممرات البحرية الحيوية واستهداف المصالح الخليجية. ومن ثم، لن يعود الخليج إلى معادلات ما قبل عام 2026، بل سيدخل مرحلة جديدة تتداخل فيها الهشاشة الداخلية الإيرانية مع قدرتها على التأثير في أمن الطاقة والتجارة العالمية.
https://www.chathamhouse.org/2026/06/iran-and-new-persian-gulf-equilibrium

